ابن حبان
18
صحيح ابن حبان
" أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره " ( 1 ) وقد عكست مصنفاته هذه عقليته المبدعة ، وثقافته الأصيلة الواسعة ، فلم تكن ليستغني عنها بغيرها ، بل صارت كما قال ياقوت : " عدة لأصحاب الحديث " ، وسيرد وصف طبيعة تصنيفه عند الحديث عن مؤلفاته . وفي الفقه تعب عليه حتى صار من كبار فقهاء الشافعية ( 2 ) ، وأهله تمكنه فيه أن يكون قاضيا ، إذ لا يلي القضاء آنذاك إلا مضطلع في الفقه ، متمكن من نواحيه ، عارف بدقائق مسائله ، ومشكل وقائعه ، فولي القضاء مدة طويلة في أكثر من بلدة ، منها نسا وسمرقند وغيرهما ، ولعل هذا - كما يقول بعضهم - ما أثار حفيظة فقهاء الحنفية الذين كانوا يعدون وظيفة القضاء وقفا عليهم ، فجرت بينه وبينهم منازعات وخصومات ، حملت ابن حبان على مجاوزة الحد ، حين لم يجد أغيظ لهؤلاء من الطعن في إمامهم أبي حنيفة ، فألف كتابا في " علل مناقبه " عشرة أجزاء ، وكتابا في " مثالبه " عشرة أجزاء ، وكتابا في " علل ما استند إليه " عشرة أجزاء ، وكان الأولى به أن يكظم غيظه ، فلا يأخذ أحدا بذنب غيره ، وأبو حنيفة ذاك الإمام الجليل القدر ، العظيم الشأن ، من طبق علمه الآفاق ، وعرف فضله القاصي والداني ، فكيف ينال منه لذنب اقترفه رجل انتحل مذهبه بعد قرنين من وفاته ؟ ! فسامح الله ابن حبان ، وغفر له هذه الهفوة . وقد تلمذ في الفقه على شيخه محدث الوقت محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وأخذ عنه طريقته في استنباط الأحكام والمسائل الفقهية ، وهذا الكتاب يظهر مدى تمسك ابن حبان بمنهج شيخه في الاستنباط ، وتقليده الكامل له ، لكن مع تصرفه الخاص الذي أملته عليه عقليته وأسلوبه الذي سأتعرض له بعد هذا الفصل ، وهذا ما دعا ابن الصلاح إلى أن يغمز منه غمزا شديدا حين
--> ( 1 ) انظر " معجم البلدان " بست . ( 2 ) لذا ترجم له السبكي في " طبقات الشافعية " 3 / 131 .